الكوشيون اسمهم مشتق من الكوشة ؟
في إفادة لأحد الكوشيين المقيمين بمراكش(19))، توصلت الى معلومة هامة، وهي أن الكوش كلمة مشتقة من الكوشة، بحكم اشتغالهم في أفرنة الجير تاريخيا ، و الكوشة(20) كلمة تتداول في المجتمع المصري و المجتمع المغربي أيضا، مما يعني أنها قد تكون دخيلة على لهجة أهل المغرب وقد لا تكون …
الفترة التاريخية التي عاش فيها سيدي الكوش، دفين اخنيفرة، كانت فترة ازدهار لكوش الجير، بفعل بناء الكتبيين(21). و قد " كان بناء هذا المسجد عقب فتح مراكش مباشرة سنة 541هـ. ( من طرف الموحدين ). وبهذا يعتبر مسجد الكتبية الأول المسجد الثاني…أما مسجد الكتبية الآخر فيشير إليه صاحب الاستبصار الذي يذكر أن عبد المومن حول الجزء الباقي من قصر الحجر إلى مسجد ثاني ورفع بين المسجدين المنار العظيم، الذي لم يشيد في الإسلام مثله. ثم أكمله ابنه يوسف بن عبد المومن. وقد بني المسجد الثاني بالكتبية في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة من الهجرة….وصومعة مسجد الكتبية بدئ فيها في عهد عبد المومن بن علي، ثم أتمها حفيده يعقوب المنصور. وكانت المثال الذي احتداه بناة صومعتي الرباط واشبيلية.." (22)
امتهان هاته الحرفة، و هي صناعة الجير، جعلتنا نعرج على حي شهير بمدينة تازة، يسمى حي الكوشة، يعمر
بأولياء الله الصالحين، لعل أبرزهم سيدي عيسى(23)و بزاوية تامصلوحت بمراكش، حيث ضريح سيدي عبدالله بن حساين(24)، تبين لنا بالفعل أنها مهنة مارسها كثير من هؤلاء، باعتبارها حرفة مذرة للربح و الدخل، و الطلب عليها كان مرتفعا، و بحكم أن مراكش العاصمة، كانت دوما في حاجة الى كميات ضخمة من هاته المادة قصد البناء و التزيين …
و لعلي أستبعد مجموعة من الاستنتاجات التي ذهب إليها كثير من الباحثين، بخصوص كلمة كوش و التصاقها ببعض الأولياء على وجه الخصوص، و أن تفسيرها بسواد اللون، فيه عنصرية وعرقية ننزه المجتمع المغربي عنها، و أنها ترتبط أكثر بممارسة هؤلاء لصنعة من ضروريات إنتاجها هاته المسماة، وهي مهنة كانت تمكن من امتلاك القرار الاقتصادي في فترتها تاريخية من الفترات ..ففي عهد مولاي إسماعيل مثلا كانت " الكوشات تمد البنائين والدباغين بالمواد الضروري(25)، و كانت إحدى أهم ما قام المغاربة بوقفه آنذاك في مدينة مكناس على سبيل المثال لا الحصر(26)بحكم حركية البناء في عصره، و هي نفس الحركة التي شهدتها جميع الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، و خصوصا الفترات الذهبية التي شهدت انتعاشا لحركة البناء و الإعمار و التي رافقها استقرار سياسي و امني …
وقد حاولنا الإلمام بانتشار الكلمة في الوطن العربي، ، فكان أن عثرنا على خيوط رفيعة، تثبت بلا شك أن هناك علاقات وطيدة بين كلمة كوشة و انتشار الكوشيين ، في المغرب و خارطة انتشارها خارج المغرب، فحيثما توجد كلمة كوش يوجد ضريح أو زاوية ……
و عائلات عريقة و ليست الصدفة وحدها هي التي يمكنها أن تجعل الأمكنة تتوافق أسمائها هكذا …
فقرب الحرم المكي توجد حارة الإشراف و قربها حارة الكوشة و هي حارة قديمة سميت كذلك وسُميت بذلك لأن الحرفيين الذين يقومون بصناعة الأزيار والشراب والقلل وغيرها من الأدوات الفخارية والتي
يستخدمها المكيون لحفظ المياه أو تبريدها كانوا يقيمون مبانى على هيئة منصة (كوشة) لحرق الطين وصناعة الفخار(27).
و إن كان هذا يدل على شيء، فيدل على أن الحرفة قديمة، و قدمت مع آل البيت من شبه الجزيرة العربية الى المغرب، ووجود الشرفاء حيثما توجد محارق الكوشة، دليل تاريخي على أن هناك علاقات ما بين انتشار هاته الكوشات و الكوشيين في كل العالم العربي …
و من بين الأحياء المعروفة في مدينة تازة نجد الكوشة (28)، وهي عبارة عن تجمع سكني متوسط يمتاز بأخوته ونظافته.وكذلك نجد الجامع الكبير وزقاق الوالي والمدينة القديمة إضافة إلى عدد كبير من الشيوخ والأولياء الصالحين من بينهم سيدي عيسى …
و نفس الشيء في مدينة المسيلة الجزائرية حيث يوجد حي يسمى الكوش حيث زاوية بالشريف الادريسي بوجملين، ( من الزوايا التي قاومت الاستعمار الفرنسي) وهو من رجال نهاية القرن التاسع و بداية القرن العاشر الهجري (29)
إن معظم أسماء الأسر التي نسمع عنها في الجزيرة العربية شمالا وجنوبًا وشرقًا وغربًا ، توجد لها بالمغرب خُؤولة وعُمومة ، ومن ثمة فإن دراسة تاريخ العرب بالمشرق دون ما التفات إلى المغرب تعتبر دراسة مبتورة،
والعكس صحيح ، فإن دراسة تاريخ العرب بالمغرب دون العودة إلى الجذور الأولى تبقى دعوى غير ذات جدوى…
و بالرياينة في منطقة مرتفعات أنفوسه بالجبل الغربي على بعد حوالي 140 كيلو متر من مدينة طرابلس في جنوب غرب طرابلس .توجد مجموعة محارق تسمى الكوشة، يوجد بها أقدم مسجد بمنطقة الرياينة الشرقية و وجود زاوية العالم التي كانت من أكبر المنارات العلمية لتعليم كتاب الله وبها كانت إحدى أكبر المكتبات العلمية التي تحمل أمهات الكتب ذكرتها معظم السير والدراسات التاريخية وقد خرج من منطقة الرياينة الكثير من العلماء الأفذاذ والقضاة المعروفين كالشيخ بشير والشيخ منيع الذي لازال أبنائه يتوارثون علوم الدين إلى حد ألان مع(31)
أيضا حتى مدلول الكلمة الأمازيغي الذي يعني الكوشة وهو "أفرنو " وجدنا بعض الأدارسة مروا من هناك و هم الشرفاء العلميون(32)، و معلوم ان هؤلاء هاجروا الى الشرق للدفاع عن بيت المقدس (33)..
دليل تاريخي آخر يزكي وجود هاته العلاقة ففي سوريا مثلا يذكر مؤلف كتاب تراث مكة " اسم أحد العوائل المشهورة والتي لم تأخذ حقها من الذكر ، وهم أسره هاشمية شريفة سكنت الشعب " شعب عامر"، وكانوا جيراناً لنا. هذه العائلة تدعى عائلة " فرج ناصر" وهم غير السادة آل ناصر الحسينيين الذين يسكنون المدينة، حيث ان عائلة فرج ناصر تنتمي إلى الأشراف الأدارسة، وقد قدموا من المغرب ثم مصر، قبل أكثر من ثلاثمائة عام. ومنهم اليوم حسب علمي :البروفيسور السيد عبد اللطيف حسين فرج ناصر- جامعة أم القرى الم………
»كما أن هناك المزيد من العوائل العريقة التي لم يذكرها مؤلف كتاب " تراث مكة " ونلمس له العذر في ذلك فمكة الحبيبة مليئة بالعوائل والأسر التي خدمت هذا البلد المبارك « .
في تعقيب من أحدهم يذكر عائلة الكوش من مكة، وهذا يقوي فرضية العلاقات التاريخية بين الكوش في المغرب و نظرائهم في الشرق (34)…
و في طرابلس نجد في حي كوشة الصفار بطربلس زاوية للطريقة العيساوية (35) ، و الصفار من العائلات الفاسية كما نعرف…..
الشرفاء الكوش علميون أم حسينيون؟*
بذلنا مجهودا كبيرا في الوصول الى تحقيق النسب الكوشي، وسط غياب مطلق لأي بحث تاريخي سابق في هذا الشأن، و كانت أمامنا مجموعة من الفرضيات التي عززناها بالزيارة الميدانية و بخبراء علم الأنساب و اتصلنا بمختلف الشرفاء، لم يكن لدينا الكثير من تلك الفرضيات و لم يكن أمامنا من الوثائق إلا النزر اليسير، و قد عدنا أدراجنا الى خبراء التاريخ العبدي ( نسبة الى عبدة) فوجدنا انه استعصى عليهم الأمر، و نحن نعرف أن من يملك وثائق زاوية سيدي احمد بومدين و تاريخ الكوشيين، يستحيل أن يسلموها لأحد ما ، بسبب خبايا ممتلكات الزاوية، ، وهم يقدسون تلك الوثائق بحكم استغلالهم لممتلكات كثيرة تعود للزاوية، و لهذا يستحيل أن تبرح تلك الوثائق مكانها…
ومن من خلال توظيف الانترنت، تمكنا من رصد مختلف المستوطنات الكوشية، و قمنا بزيارات ميدانية لكل من يكنى بالكوش و لمجموعة من الأضرحة التي تحمل الكوش ، و تشابهت الأجوبة لدى الجميع أنهم شرفاء بدون شجرة، و لا احد يملك شجرة عائلة باستثناء أحد الكوشيين، حفيد مولاي علي الكوش بهسكورة، الذي كان والده يملك شجرة العائلة لكنها ضاعت منه بعد وفاته،(36)
- وان خاب أملنا في البداية ، نظرا لان تلك الزوايا الكوشية و الأضرحة مجهولة و غالبا تكون معزولة عن السكان، ( ضريح سيدي علال الكوش بأولاد حمدان بالجديدة، الذي لم نعثر على ذرية له..، وكل ما وجدناه أطلال زاوية، و ضريح سيدي عبدالله بن الكوش، فلم نجني غير الغموض ووقنا على إلا على أطلال زاوية صماء، و استمعنا لروايات وإفادات الساكنة المجاورة التي تجهل كل شيء، وهي أيضا تنتظر الأجوبة، و لم نعدم الأمل …
أيضا أخذنا بعين الاعتبار كثرة رباطات هاته الأسرة، و عامل خدمة من تبقى في مراكش لضريح سيدي عبد الله بنحساين الأمغاري،(37) وعامل اشتهار هاته الأسرة بطلب العلم و الهجرة إليه …
واعتمدنا على زيارات ميدانية و الى التريث مدة خمس سنوات في ترجيح كفة هذا النسب أو ذاك و نظريا كان أمامنا النسب المغاري -نسبة الى عبد الله أمغار (38)دفين الجديدة، ثم قمنا بمراجعة المعطى الجغرافي ثم التاريخي و
تعاملنا بحذر مع وثيقة متوفرة معلقة بأحد الأضرحة، و لكنها غامضة و أيضا أخذنا بعين الاعتبار عامل سواد البشرة أو سمرتها لدى بعض الأولياء كبوشعيب السارية (39) وكان أسمر اللون بعض الأدارسة فوجدنا بعض الإشارات التي دلتنا الشرفاء العلميين وجدهم الإمام محمد بن إدريس الأصغر و و أمه حرة من أشراف نفزة (40)….
و كانت إشارات مهمة، فكما أسلفنا ونحن نقوم بسمح خريطة تواجد الكوشات، وجدنا مدينة تازة و بهاته المدينة تلقى القطب مولاي عبد السلام بنمشيش تعليمه على يد سيدي الحاج أحمد أقطران الذي عرف بالإمام العسقلاني دفين الأخماس بقبيلة أبرج قرب باب تازة. (41)
أن كل المحن التي مر منها أبناء إدريس، طمست الكثير من الحقائق التاريخية، حنة آل البيت في المغرب و انتشارهم في الأرض فقد عزم ابن أبي العافية على استئصال الأدارسة،بفاس، مع أنها دار ملكهم، و مختط جدهم لانتظام سلكهم، و فروا بأنفسهم، و تفرقت آل أدارسة في بلاد المغرب "وهاته المحن جعلت الكثير يغير من اسمه و لقبه، و لعل هذا الاختباء التاريخي له ما يفسره،
كما أن شهرة عبد الله الكوش با ابن مسعود، هي في حد ذاتها مضللة، فليس مسعود إلا الجد المشهور، و ليس الأب المباشر له …
لم نجد من يطعن في شرف هؤلاء، وكل الشهادات التاريخية في حقهم ترفع مقامهم كشرفاء، وقد قال فيهم وزير أوقاف الحسن الأول و هي يعرج على قرية الكواش" هؤلاء هم شرفاء هاته المدينة"، جعلنتنا نتحمس أكثر لإجلاء الغموض ….
و في مجمل علاقته ارتبط الكوشيون بنظرائهم الأدارسة ارتباطا وثيقا ، بمصاهرات تاريخية مع السباعيين، فقد كالقطب سيدي احمد بومادين بن العربي بن عبد الله الكوش الذي تزوج ابنة سيديم حمد بن عيسى المخلوف السباعي، وكانوا يفدون على مدارسهم لطلب العلم، و ارتبطوا بخدمة ضريح سيدي عبد الله بنحساين ، و كبقية الشرفاء كان لهم تقليد صارم الى درجة التشدد في هذا الشأن، فكان الكوشيون لا يزوجون بناتهم لأحد إلا من أبناء عمومتهم و تذكر الرواية الشفوية أحداث طريفة في هذا الشأن(43)
خلاصة
نرجح أن الشرفاء
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ